رسالة إلى ماليڨيتش



،عزيزي ماليڨيتش
[1] في 2015، تمت دعوتي للمشاركة في معرض استعادي عن التجريد والسياسة بين 1915-2015 في غاليري وايت شابل، لندن. عنوان المعرض، "مغامرات مربع أسود" يشير إلى مربع ماليڨيتش. انسحبت من المعرض قبل افتتاحه، بعد العلم بتمويل من السفارة
الإسرائيلية في لندن.
فكّرت كثيراً في لقاءنا الذي لم يتم،1 وفكَّرت بالكتابة لك.




كُلّما فكَّرت أكثر، أدركت أنني لا أكتب عن اللقاء، وإنما عن شعور غير متبادل: عن حبٍّ من
طرفٍ واحد.

[2] كتبت ريحانة جباري، 26 عاماً، رسالة إلى والدتها بعد علمها بالحكم عليها بالإعدام، حيث أدانتها محكمة إيرانية بقتل موظف سابق في وزارة الاستخبارات الإيرانية، رغم تأكيدها أنها أقدمت على فعلتها دفاعاً
عن النفس بعد محاولته اغتصابه

ترددت عبارة "العالم لم يحبّنا يا أمي" في رأسي حين أدركت هذه المشاعر. أتذْكُر؟ ريحانة ورسالتها الأخيرة لأمها؟2 أعتذر عن هذا التعدّي على كلماتها ومضمونها -أدرك تماماً سياقها وكارثيته- لكن مُقبِضٌ هو إدراك الوحدة في ذلك الحب وفي إعلانه، فقط من خلال اللغة.



هشاشة العاشق الذي لم ولن يُعشق.



حاولت تحليل هذا الثقل وماهيّته: فهي رسالة حب في النهاية، أكتبها وأنا مدركةٌ أنني أحب شخصاً، فكرةً وربما مشروعاً من غير الممكن أن يحبني بالمقابل.



أدركت هذه الحقيقة حين أدركت العنف المستتر الذي ينكشف من تسامي المجرّد، من النفي والإلغاء المقصود في هذا التسامي. من هذه الخطوط والأشكال والجماليات التي أعرفها تماماً، وأتقنها تماماً.


                                 

العنف المستتر في الأبيض على الأبيض.



في كتابها "رحلة إلى جبل تملباييس"، تصف إيتيل عدنان اللون الأبيض بلون الذعر: الفطر الأبيض، الغيوم البيضاء المشعّة، والأبيض على الأبيض في لوحتك.


حتى أنت اعترفت بالذعر -أو بمجاورتك له-  حين أدركت أنك تهجر العالم الذي تعرف،i أكانت نبوءةٌ بالدمار؟ الأبيض على الأبيض.



هذا المربع الكامل المكتمل، الذي يُصلّي للهندسة، يمسح ما قبله، ولا يطلب ساكناً أو قاطناً، يأتي من بعد الدمار طالباً دماراً آخر، فلا ينتظر شيئا من بعده.

[i] "في سنة 1913، وضمن محاولاتي اليائسة لتحرير الفن من ثقل الشيئية، اتخذت المربع ملجأً من خلال عرض صورة لا تحتوي إلا على مربع أسود في حقلٍ أبيض، تنهّد النقاد، ومعهم الحضور، ضاع كل ما نحب. نحن في الصحراء. " من "سوبريماتزيم،" المقال الثاني من الثنائية التي تشكّل أطروحة ماليڨيتش الكبرى، "العالم اللاشيئي" المنشورة بألمانيا عام 1927.

مثلما دمّر مربعك الأبيض مربعك الأسود الذي سبقه.ii



تماماً مثل يافا،

[ii] استمر اختزال ماليڨيتش للعناصر التصويرية في تكويناته- أعماله، حتى بلغ الاختزال ذروته في سلسلة أبيض على أبيض 1917-1918.




في حين كانت حجارة يافا تُفكَّك، كانت حيطان تل أبيب "البيضاء" الباوهاوسيّة تُبنى.iii



باوهاوس... تلك الحركة الطليعية التي لطالما بدت مفصولة عن المنظومة الاستعمارية وعمارتها. فصلت نفسها عن الحداثة وما قسّمت، وربطت نفسها بالهجرة والنزوحiv متجاهلةً المحي المستتر: المربع الكامل المكتمل الذي يمسح ما قبله،v ولا يطلب ساكناً أو قاطناً، أوبالأحرى، يطلب ساكناً معيّناً. هي الخط المتوازي، البعيد القريب.



بعد هجرته إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بالتحديد إلى شيكاغو، يتحدث ميس فان دير روه إلى طلابه عن صدق المادة (مادة البِناء) وارتباطها بالوظيفة المعمارية والمعرفة المتوارثة.



أصدّق هذا الكلام كثيراً وأتبعه. أصدّق كمال مربع الرخام وخطوطه الهندسية، لكن ماذا يعني صدق المادة في سياق الخراب؟ لا أدري.



يقول،

[iii] تؤسس سردية "المدينة البيضاء" لتل أبيب خطاباً محكماً يربط بين الباوهاوس وتل أبيب خصوصاً، ودولة إسرائيل عموماً. في حزيران من عام 2003، أوصت لجنة التراث العالمي- يونيسكو- بوضع "المدينة البيضاء" على لائحة مواقع التراث العالمي. في كتابه،"مدينة بيضاء، مدينة سوداء،" يستخدم شارون روتبارد لحظة الاعتراف الرسمي تلك كمدخل لتفكيك ومساءلة هذه السردية: "كسردية معمارية، لم تبدأ أسطورة المدينة البيضاء تلك بالانتشار إلا حين تلقت وسم الموافقة الرسمي، "العلمي" والتاريخي، وذلك في صيف 1984، من خلال معرض بعنوان "مدينة بيضاء" بتنسيق من المؤرخ المعماري مايكل ليفين في متحف تل أبيب للفن... لكن هذا المعرض لم يكن مجرد معرضاً معمارياً إعتيادياً، وإنما كان أول محاولة مادية لإنشاء تاريخ -التاريخ- للعمارة الإسرائيلية. ضمن هذا التأريخ، تم تأسيس المدينة البيضاء، تل ابيب، وتراكيبها كنقطة تدشينية، كنقطة الصفر - اللحظة التي بدأت منها العمارة الإسرائيلية."

تزعم سردية "المدينة البيضاء" المعمارية هجرة الباوهاوس كمدرسة فكرية من خلال عدد من طلابها، هجرة  تُرجمت فيما بعد إلى عدد من المباني التي نُصِبت من العدم، من كثبان الصحراء. على صعيد آخر، تجاهلت السردية تأثيرات معمارية أخرى سائدة. نذكر على سبيل المثال لوكوربوزييه واستخدامه للركائز Pilotis - الأعمدة التي تحمل كتلة المبنى عن الأرض.

"كونها استمرت كمركز كوزموبوليتاني للمنطقة لغاية 1948، تحتوي يافا على تنوّع كبير من الأنماط المعمارية المنتمية لأسلوبَي العمارة الحديث والعالمي، والتي لم تشملها سردية المدينة البيضاء" يُضيف روتبارد. هذه السردية هي ليست سوى مانيفستو مكاني انتقائي هدفه تمييز تل أبيب عن المنطقة، كواحدة من وسائل تشريع وجودها سياسياً.  

[3] من الخطاب
الافتتاحي الذي قدمه بروفيسور لودفيغ مييس فان ديرروه كرئيس لقسم العمارة في معهد آرمر (1938).  ألفريد سوينسون، باو-تشي تشانغ، "التعليم المعماري في IIT (1938- 1978)"، شيكاغو: معهد إلينوي للتكنولوجيا، 1980، ص 26.

"لا يوجد شيء يعبر أكثر من عبارة سانت أوجستين عن حقيقة وهدف عملنا، وهي: الجمال هو روعة الحقيقة."3





صبا

[iv]  تاريخ الباوهاوس هو قصة هجرة ونفي.
1919-1924، تأسّست المدرسة في فايمر، وصارعت عداوات على المستوى المحلي والوطني، حتى اضطرت أخيراً للإغلاق.
1925-1932، في ديساوو، أقفلت المدرسة بعد سيطرة الحزب النازي على انتخابات البلدية عام 1931. واحدة من أهم تعهدات الحملة الانتخابية للحزب إلغاء المنح المقدمة للباوهاوس، وهدم مركزها.
1933، في برلين، استمرت الباوهاوس ككلية خاصة، لكن دون أي فرصة لإعادة بناء نفسها مع صعود السيطرة النازية، مما أدى بالنهاية إلى إغلاقها. حتى أنّ معلمي الباوهاوس أنفسهم هاجروا، فذهب والتر جروبيوس إلى هارفرد، ومييس فان دير روه إلى معهد آرمور في شيكاغو.



[v] أرييه شارون (ولد عام 1900- بولندا)  كان أحد المعماريين الأربعة الذين ذهبوا إلى فلسطين بعد ارتيادهم الباوهاوس، وأحد المعماريين الأكثر تأثيراً وشعبية ضمن الدوائر الصهيونية في فلسطين تحت الإنتداب البريطاني، منذ ثلاثينات القرن الماضي. في كتابه "الباوهاوس + الكيبوتس" (1976)، لا يكتفي شارون بإعادة صياغة المدرسة الفكرية "المُعْترَضة"، وإنما ينقشها في بنية الدولة الصهيونية. كتاب شارون يربط "اليوطوبيا" المزعومة للعسكرة الهيكلية للمجتمع الصهيوني بطريقة مباشرة بيوطوبيا مفترضة أخرى - الباوهاوس. ينتقل بنا تدريجياً من الفلسفة الكميونية للكيبوتز إلى "الجيزامتكولتور" للباوهاوس ­‑ المصطلح الألماني للفكرة الطليعية "الثقافة الكليّة" ‑ وكأن الأخيرة هي تجلٍ للأولى.

نشأت الباوهاوس، والنمط العالمي (International Style) بشكل عام، من أنقاض الحرب العالمية الأولى وصدمتها - وهذا ما يتجلى واضحاً في الرغبة بالصفحة البيضاء، أو التابيولارازا، التى دافعت عنها وشيّدتها العمارة الحديثة. هذه الرغبة بصناعة الصفحة البيضاء، افتراضها أو إختراعها، تكشف عنفاً مستمراً.

نستطيع تتبع هذا العنف في تاريخ العمارة الحديثة - سواءً في سياق مستعمَر أو غير مستعمَر - لكنها تظهر بوضوح من خلال الخطاب المحيط بالمدن التي"تنشأ من الكثبان"، من اللاشيء.

يعيد هذا العنف تأسيس نفسه في كتابة التاريخ: من، على سبيل المثال، يحق له أن يستعيد أو يطالب بفكرة ما؟ إن خلل الباوهاوس يكمن في عدم إمكانية استعادتها إلا من قبل المستعمِر.












نٌشرت هذه الرسالة للمرّة الأولى كجزء من معرض Station Point  في إيفا-غاليري برلين، 2019.

ترجم نص الرسالة إلى الإنجليزية عمر برادة.  

الصورة: تفصيل من لصبا عناب، بتنسيق من عمر برادة، إيفا-غاليري برلين، 2019.